سعيد حوي
404
الأساس في التفسير
أيها المسلمون إذا مات أحدكم وترك مالا أن تنفذوا ما وصاكم الله به في صلة الوالدين والأقربين . والتي حددها الله في هذه الحالة بآيات الميراث فيما بعد . بِالْمَعْرُوفِ : أي بالعدل وذلك بإعطاء كل ذي حق حقه ، كما حدده الله تعالى . قال عليه الصلاة والسلام بعد أن أنزلت آيات الميراث : « إن الله قد أعطى لكل ذي حق حقه . فلا وصية لوارث » . حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ : إن تطبيق هذه الوصية وإعطاء الوارثين حقوقهم أمر واجب على المتقين . فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ ما سَمِعَهُ : فمن بدل حكم الله في قضايا الإرث بعد ما سمعه فَإِنَّما إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ : فإنما إثم التبديل على من فعله . إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ، فَمَنْ خافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفاً أَوْ إِثْماً : أي فمن خاف من مورث أوصى جنفا : أي خطأ بأن زاد وارثا بواسطة أو وسيلة كما لو أوصى ببيعه الشئ الفلاني محاباة ، أو أوصى لابن بنته ليزيدها ، أو نحو ذلك من الوسائل . إما مخطئا غير عامد ، بل بطبعه وقوة شفقته من غير تبصر أو متعمدا آثما . فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ : بأن أرجع الأمور إلى نصابها في تطبيق حكم الله في قضايا الإرث . فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ ، بل هو مأجور لإقامة أمر الله . إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ وعلى هذا الاتجاه فهذه الفقرة مقدمة لآيات الميراث وبإطلاقها تطبق على مرحلة ما قبل نزول آيات الميراث ، فهي تمهيد لما بعدها وحل مؤقت لبعض الأمور . شرح الفقرة على القول الثالث : القول الثالث : أن هذه الآية ثابتة فيمن لا يرث ، منسوخة فيمن يرث . فالأقربون أعم ممن يرث أو من لا يرث . فرفع حكم من يرث بما عين له . وبقي الآخر على ما دلت عليه الآية الأولى . وهذا الاتجاه لا يصح إلا إذا اعتبرنا أن الوصية في الأصل كانت ندبا ، وبقيت مندوبة . وعلى هذا ف كُتِبَ في الآية ، المراد بها على رأي هؤلاء ، ندب . وهذا يخالف ظاهر الآية وسياقها . إلا إذا اعتبرنا قوله تعالى : حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ في الآية تخصيصا . بمعنى أن هذا على من اتقى كالفريضة . إذ التقي يأخذ بالعزيمة من باب حسنات الأبرار سيئات المقربين . فعلى هذا فإن في آية الميراث في سورة النساء حكما مستقلا ، لأهل الفروض والعصبات رفع به حكم هذه الآية بالنسبة لهم بالكلية . وبقي الأقارب الذين لا ميراث لهم . يستحب للمسلم أن يوصي لهم من الثلث استئناسا بآية الوصية ، وشمولها . وللأحاديث الواردة في ذلك . فلنذكرها أولا . ثم نشرح الآية على ضوء ذلك .